محليات

تحقيق خاص: عمالة الفتيات بين لقمة العيش واستغلال أصحاب العمل


خاص زنوبيا الإخباري - خضر مجر

 

لم يعد خفياً على أحد حالة التدني الأخلاقي الذي وصلنا إليه فالاستغلال سمة هذه المرحلة والأكفأ هو صاحب الأنياب الأكبر في التهام جسد أبناء هذا الوطن بعد ما أحرقت الحرب مقدراته وأبنائه هذه الحرب الكبيرة التي خلقت مشاكل اجتماعية كبيرة، وقد طفا العديد منها على سطح المجتمع وغدت مثار اهتمام لإيجاد حلول قبل أن تتفشى أكثر. فقد انتشرت في المدة الأخيرة وخلال سنوات الأزمة تحديداً ظاهرة عمالة الفتيات ضمن المقاهي الشعبية الأمر الذي لم يكن مألوفاً لنقل ربما على المستوى الشعبي،لتكون الواجهة عمالة ضمن مقهى شعبي أما في السر شيء آخر. فكيف كان تعاطي صاحب العمل وأفراد هذا المجتمع مع هذه الفتاة الساعية وراء لقمة عيشها بعد أن حرمتها الحرب من معيلها أو حرمت معيلها من عمله فانطلقت تدق أبواب الحياة لتحافظ على وجودها.

في "ساروجة" يفاجئك المشهد نوعا ما حيث تنتشر الفتيات على الرصيف أمام المحال المختصة بالمأكولات الشعبية " فتة وفول" محاولين جذب الزبائن. وهنا يستدعينا الموقف للوقوف قليلاً وطرح السؤال ما الذي يفرض عليهن فتيات في عشرينيات العمر القيام بهذه المهام التي لن تتوقف على الدعوة إلى الدخول إلى المطعم وتنزيل الطلبات ولكن يمكن أيضاً أن يترتب على ذلك تعاطي من نوع آخر.

" عادي..أمر عادي الشغل ليس عيباً وضمن حدود أضعها بنفسي، فالإنسانة التي تضع حداً للتعامل مع الزبائن لا يمكن لأحد أن يزعجها..ولم أجد أي مشاكل مع الزبائن لكن يمكن أن تكون المشاكل مع زملاء العمل." هذا ما قالته "يارا" الفتاة العاملة في أحد المقاهي بعد أن تركت مهنتها في تصميم الأزياء بسبب هذه الأزمة، " يارا " الفتاة التي خجلت من التصريح بكونها مرتبطة تحدثت عن تأثير العمل على الفتاة المرتبطة إذا ما كان الطرف غير متفهم فطبيعة العمل تفرض عليهم التعاطي أو حتى اللقاء خارج أوقات الدوام  وهنا يبان لنا أن العمل لن يتوقف على تخديم طاولات وبالرغم مما حاولته "يارا"  من إظهار الانضباط بالعمل والحدود المفروضة إلا أن الجلوس لخمس دقائق في تلك المحال يكشف كل شيء وهذا ما أكدته أيضاً عندما سألتها عن كونها مرتبطة وما تأثير العمل على علاقتها قالت : " طبيعة عملنا تتطلب الحديث مع الزبائن والجلوس إليهم على الطاولة وتبادل أرقام الهواتف ومن الممكن تطور العلاقة للقاء خارج أوقات الدوام وهذا كثير..وعلى الطرف الآخر أن يكون متفهما لهذا الوضع". من هنا يتضح لنا أن الحدود التي تحدثت عنها ليست بالضيقة بل هي مفتوحة ومتسعة ويتضح لنا أكثر أن الفتيات لم يعملن لمجرد العمل ضمن هذه المحال فهن أصبحن عامل جذب للزبائن أكثر من كونهم قائمات على واجباتهم الوظيفية. وهنا نسأل أنفسنا هل لصاحب العمل دور في ذلك فهل هو من يطلب منهم مسايرة الزبائن وتقديم جميع الخدمات لهم أم أنه يذود عنهم في وجه أي مضايقات. "سوزان"  صاحبة تجربة واسعة في هذا المجال وهي خريجة السكرتارية وقد تنقلت أثناء عملها في أماكن كثيرة بين المطاعم الراقية والشعبية  مؤكدة أن : " رب العمل يطلب دائماً مسايرة الزبائن وتقديم الخدمات وحتى أنه لا يصدق أبداً تعرضنا لأي مضايقة من الزبائن، في حين أنه في مكان آخر كان صاحب العمل يحمينا من هذه الإزعاجات، ولكن أعتقد أن ذلك مرتبط بطبيعة المكان ففي أحد المولات مثلا لم أجد فيها أي مضايقة وحتى مدير العمل كان يحمينا من مضايقات الزبائن، لكنني وكفتاة محجبة رفضت من العمل من أحد المطاعم الراقية بسبب حجابي فهم بحاجة لفتيات مميزات يجذبن الزبائن"  تستمر سوزان بسرد تجربتها وتفاصيلها التي لا تخلوا أبداً من مضايقات عُقد المجتمع موضحة أن موقع المطعم لم يغير كثيرا مما يتعرضن له لكنه رب العمل من كان صاحب الكلمة الفصل في ذلك.  وعن دور رب العمل وما يمكن أن يؤمنه تحدث السيد حسان مدير أحد المقاهي عن تجربته وتعاطيه مع الفتيات قائلاً : " لقد شاهدت هذه الموضة في بيروت وأعجبتني وقد خلفت الأزمة الكثير من العاطلين عن العامل فطرحت فكرت عمل الفتيات للاستفادة منهن في هذا الشيء أفضل من شيء آخر !" هنا لا بد أن نسأل ما هو الشيء الآخر الذي لمح له السيد حسان وهل حقاً ابتعدن الفتيات أو " الضلع القاصر" كما يصفهم عن هذا الشيء المشبوه، ليعود ويؤكد لنا أن الشاب معول عليه في العمل أكثر من الفتاة، فمهمة الفتاة تقتصر على تنزيل الطلب على الطاولة أما الشاب فهو المسؤول عن الجانب الأكبر من العمل. وبرأي السيد حسان فإن "العمل لا يزعج الفتاة خاصة مع توفر الراحة النفسية فهن ضلع قاصر ومعاملتهم مختلفة، كما أن العمل قدم فرص الزواج لاثنتين من العاملات لدي." وهكذا يكون السيد حسان قد أكد لنا أن عمل الفتيات هو أمر استغلالي أكثر من كونه عمل لمجرد العمل فلابد أنه لاحظ مدى انجذاب فئات من الناس إلى محلاته بسبب وجود الفتيات لديه ما حقق له ربحاً أكبر على حساب هؤلاء الفتيات.

الباحثة الاجتماعية إيمان ونوس تؤكد أن الظاهرة ليست بالجديدة وأن انتشارها الآن هو نتيجة لارتفاع معدلات البطالة 

إضافة لتفعيل الفتيات في مجالات كثيرة لم تدخلها سابقاً: "بالفعل لقد انتشرت هذه الظاهرة بشكل ملفت للنظر، ولكن ليس الآن وفي سنوات الحرب فقط، وإنما قبل ذلك بكثير.. والسبب حينها يعود برأيي بشكل رئيسي إلى ارتفاع معدلات البطالة في العقود الأخيرة بالتزامن مع الوضع الاقتصادي والمادي السيئ للأسرة التي لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأبناء، لاسيما الدارسين في المعاهد والجامعات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعود لاقتحام الفتاة العديد من المهن التي اقتصرت زمناً ليس بالقليل على الذكور، كالنادلة أو المضيفة أو حتى تلك التي عملت في ورشات إصلاح السيارات أو الكهرباء أو ما شابه، وهذا أمر جيد ويشير إلى قدرة الفتيات على القيام بشتى الأعمال دحضاً لثقافة المجتمع التقليدية التي لا ترى في الفتاة العاملة سوى معلمة أو ممرضة أو خياطة وما شابه." ولكنها تؤكد أن ما نشهده اليوم ليس بالعمل البريء فقد أخذت اتجاهات لا أخلاقية واضحة تدل على مدى هشاشة الضوابط والقوانين فما هي إلا تجارة أزمة ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر :"أما فيما يخص هذه الظاهرة اليوم، فهي حالة عادية وطبيعية في بلد يشهد حرباً غير عادية جرفت في طريقها كل مقومات الحياة البسيطة من طعام وشراب ومأوى، مما دفع بالعديد من الفتيات للعمل بأية مهنة تساعد الأسرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، إضافة إلى تأمين بدلات الإيجار التي حلّقت لمستويات خيالية لا يقبلها عقل أو شرع... ولا قانون يحاسب ولا مسؤولين يردعوا تجّار الأزمات بكافة اختصاصاتهم.
ولكن لهذه الظاهرة اتجاه آخر غير أخلاقي، وهو واضح تماماً في مختلف الأماكن، بمعنى أن الظاهر هو عمل بمقهى أو كافتريا، غير أنه في الواقع بعيد تماماً.. أي العمل بالدعارة التي تفشّت وانتشرت وصارت شبه علنية في كثير من الأحيان. والسبب في رأيي هو واقع الحرب بكل تداعياته، وكذلك التداعيات التي تعرّض لها المجتمع ما قبل الحرب جرّاء الانتشار غير المسبوق لوسائل الاتصال وتقنيات تكنولوجيا المعلومات التي باتت بمتناول الجميع، لكن دون تهيئة فكرية وثقافية وقيمية بكيفية التعامل الخلاّق مع هذه التقنيات."

إن الظرف الآني للبلد واستغلال حاجة الناس للعمل وتأمين مقومات الحياة وضع الكثير من أصحاب الحاجة تحت رحمة تجار الأزمة ومع غياب الرقيب الداخلي أولاً تطورت المشاكل وتفاقمت بشكل سريع ومع غياب الرقابة على شروط العمالة وظروفها ثانياً جعل الأمر أكثر علانية ولا يمكننا هنا إلقاء اللوم كله على الفتاة الباحثة على لقمة عيشها والتي ربما لم تجد عملاً أفضل يسد رمقها ورمق عائلتها لكن يبقى لرب العمل الدور الأكبر في صون كرامة عماله عوضاً عن المتاجرة بها وإننا مقدمون في الأيام القادمة على ما لا يحمد عقباه مع استمرار الانحلال الأخلاقي والاجتماعي بسبب هؤلاء المُستغِلين.
 

Copyrights © Znobia.com

المصدر:   http://znobia.com/?page=show_det&category_id=16&id=3397