الموقف اليوم

معان الأردنية .. قندهار بلاد الشام ؟


 عمر معربوني

قندهار بلاد الشام، أحد الأسماء التي أُطلِقت على مدينة معان الأردنية لارتباطها بأكثر من حدَثٍ يتعلق بالجماعات المتشددة.
في التوصيف، هي تحمل اسم المحافظة التي تعتبر أكبر المحافظات الأردنية وما يعادل ثلث مساحة المملكة، تحدّها من الشمال محافظة العاصمة والطفيلة ومن الشرق والجنوب السعودية ومن الغرب محافظة العقبة، وتمتاز بتضاريس تجمع بين الأرض الصحراوية والجبال المعقدة والتي يتراوح ارتفاع قممها بين 1500 و1800 متراً عن سطح البحر.

كما تميزت معان بوقوعها على خط الحج ولهذا شكلت محطة رئيسية للحجاج قديماً. تعتبر معان ومحافظتها من المناطق الفقيرة، ويتوزّع سكانها بين البادية والأرياف وتمتد أصولهم الى:

- عشائر حجازية (الكراشين، آل خطّاب، البزايعة، الفناطسة).
- عشائر شاميّة (آل محمود، القرامسة، المحاميد).

- عشائر الوسط (العقايله، الرواد، أبودرويش، المحتسب، التلهوني، العوض).
تضم محافظة معان آثار البتراء المشهورة، وعدداً من القلاع والأبنية الأثرية القديمة التي تتنوع بين العهدين الروماني والإسلامي بمختلف مراحله.
لا تختلف كثيراً معان عن أية مدينةٍ أخرى، لا في أوضاعها ولا في ظروفها، وغالبية المدن الأردنية تشهد مداهمات على غرار المداهمات التي تشهدها مدينة معان، لكن يقتصر المشهد فيها الى إلقاء القبض على المطلوبين ولا يتحوّل الى صدامات دامية كما يحصل في معان، إشارةً الى أنّ معان أكثر مدينة تعرضت فيها مؤسسات ومراكز الدولة للتخريب والنهب والحرق، وهذا الوضع يتنامى منذ العام 1989.
تشهد مدنٌ أخرى، كالرصيفة والزرقاء وماركة، حضوراً سلفياً وإخوانياً أكبر بكثير مما هو موجود في معان.
فما السبب في أن تنحو مدينة معان هذا المنحى المختلف عن باقي المدن الأردنية؟

البعض ممّن يبررون الأمر يعتبرون أنّ السبب الرئيسي هو افتقاد المدينة والمحافظة للحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وتنامي الفقر بشكلٍ كبيرٍ وعدم توفر فرص العمل، وهذا ما أجبر الكثيرين على الدخول على خط التهريب وتجارة المخدرات والسلاح لتأمين رزقهم.
السلطات الأردنية تقول إنّ الذين تشتبك معهم القوى الأمنية هم أنفسهم المهربون وتجار المخدرات والسلاح، الذين رفعوا البارحة بعد صلاة الجمعة أعلام "داعش".

وجاء هذا التوصيف على لسان الحاكم الإداري للمدينة، عادل الشمايلة، الذي قال إنّ غرباء عن المدينة هم الذين يثيرون القلاقل وعمدوا مع فئة من المدينة، هم أصحاب السوابق والمطلوبين، الى ارتداء لباس داعش وحملوا أعلامها.

في المقلب الآخر، كان لأبو سيّاف (أحمد الشلبي)، مسؤول التيار السلفي في مدينة معان، رأيٌ آخر، حيث اتهّم السلطات الأردنية بفبركة التظاهرات وإدارتها بهدف تبرير الحملات الأمنية واستخدام القوة المفرطة.
كلا الطرفين التقليديين الأساسين في الصراع الدائم (السلطة والسلفيين)، على ما يبدو ينفي وجود داعش في مدينة معان.
في السبعينيات والثمانيات، كانت الأوضاع الاقتصادية في معان جيدة بسبب عاملين:
1- توفّر الكثير من فرص العمل لأبناء المحافظة في السعودية.
2- ازدهار قطاع النقل (مالكو وسائقو الشاحنات) باتجاه السعودية والعراق.
يمكننا القول إنّ أهالي معان قد وصلوا الى مرحلة مزرية، بعد توقّف فرص العمل في السعودية وتراجع قطاع النقل بشكل كبير.
والمحيّر في معان، أنه بعد أن ظهرت فيها حركات مطلبية ونضالية، كان أهمها (ثورة الخبز) سنة 1996، وقاد هذه التحركات يومها مناضلون ذوو بعدٍ قومي – عربي بعيد كل البعد عن الفكر الديني المتشدد، بمواجهة السلطة البيروقراطية والأمنية، عادت بعد العام 2001 وتفجير برجَي التجارة العالمي، لتشهد عودة بعض الذين قاتلوا في أفغانستان ضمن صفوف القاعدة.

فكيف حصلت هذه التحولات في المزاج الشعبي العام من قوى شعبية تثور على قاعدة مطلبية يقود تحركاتها حالات نضالية لا تعتنق عقائد دينية في سياق عقيدتها وتحركاتها، الى أجواء عامة يسودها الفكر المتشدد.
ماذا ستشهد معان في الأيام والشهور القادمة؟؟ وأية رؤيا ونظرة هي الصحيحة؟
كلّ المؤشرات تذهب باتجاه أنّ الأردن لن يكون ببعيد عن تحولات المنطقة، وسيكون له نصيب كبير من الأحداث القادمة.
السلطات تنتظر قدوم داعش من الحدود مع العراق، وجهّزت وتجهز لغرض التصدي أفضل وحداتها الأمنية والعسكرية في مناظق الحدود.

فهل ستتحول تسمية معان (قندهار بلاد الشام) الى واقع ملموس، وتأتي المفاجأة الداعشية من الداخل الأردني؟ أم أنّ الأمر لا يتعدى تغيير يافطات وأعلام المواجهة بين السلطات الأردنية وأهالي معان؟؟ موضوعياً، يمكننا القول إنّ حاجة داعش للتمدد باتجاه الجنوب للوصول الى منفذ بحري بموازاة الوصول الى الكويت، وطبيعة اتصال معان من جهتين بالحدود مع السعودية، يؤشران في اتجاه تنامي الأحداث وتمدّد داعش الى العمق الأردني.
والمسألة الأهم في كل ما جرى في العراق وما يمكن أن يجري في الأردن، هو أنّ داعش على ما يبدو هي يافطة لحراك عابر للحدود تتواجد أسبابه وظروف نشأته وتحولاته في كل مكان من منطقتنا العربية، تحت حجج ومبررات مختلفة. ولا ندري ماذا ستحمل الأيام القادمة للأردن وغيره من البلدان، كون الكثير من الإشارات والممارسات والسلوكيات لا تبرئ الأردن والسعودية وغيرهما من صناعة القوى التكفيرية ومدّها بكل أشكال الحياة، عندما أُعلنت الهجمة على سورية.

فهل ستتكرر عِبر التاريخ مرّات أخرى في تجرّع طباخ السّم للسّم؟

*ضابط سابق (خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية).

سلاب نيوز

Copyrights © Znobia.com

المصدر:   http://znobia.com/?page=show_det&category_id=19&id=714